آخر تحديث: 17 / 6 / 2019م - 12:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التفكير السطحي

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض تفكيراً هامشيا في التعاطي مع القضايا الجوهرية، من خلال وضع الامور في المكان الخاطئ، سواء لاحداث حالة من التشويش لدى بعض الفئات الاجتماعية، او نتيجة انعدام الأفق القادر على توجيه البوصلة بالاتجاه الصحيح، الامر الذي يقود لحالة من الانقسام الداخلي، جراء التفاوت في تقييم تلك الخطوات على ارض الواقع.

غياب الوعي يمثل احد المحركات باتجاه الانغماس في التفكير السطحي، نتيجة الافتقار للرؤية الواضحة، لتصحيح المسارات في تبني بعض المواقف، بحيث تقود الى عواقب وخيمة، بعضها يظهر سريعا، والبعض الاخر بحاجة الى فترة زمنية للبروز، خصوصا وان الخلط بين التفكير الجوهري والسطحي، يفقد صاحبه الكثير من الرصيد الاجتماعي، ”تكلموا تعرفوا فان المرء مخبوء تحت لسانه“، وبالتالي فان الصورة التجميلية لا تعكس الجوهر في كثير من الاحيان، بحيث تقود الهالة الاعلامية والبروز الاجتماعي، لانتهاج طريقة التفكير السطحي، انطلاقا من الشعور بالرضا، او الحصول على القبول الاجتماعي.

السطحية مرض يقتل صاحبه على الصعيد الشخصي، والاجتماعي، خصوصا وان معالجة القضايا بشكل هامشي، يترك انطباعات سلبية لدى المجتمع، مما ينعكس على الرصيد الاجتماعي، جراء رفض تلك الالية في التفكير كونها بعيدة عن الواقع، وبالتالي فان إطلاق المواقف غير المنسجمة مع التفكير الجوهري والسليم، يحدث حالة من الخصام السريع، مع العديد من الشرائح الاجتماعية، الامر الذي يستدعي التريث وعدم التسرع في تبني المواقف، ومحاولة دراسة القضايا من مختلف الجوانب، من اجل التوصل الى الموقف المناسب، وعدم اتخاذ جانبا تصادميا مع الشريحة الاجتماعية.

العزوف التدريجي من لدن شرائح اجتماعية، نتيجة إطلاق المواقف السطحية، يحدث حالة من الامتعاض، واحيانا نوعا من الغضب، بحيث يتجلى على شكل التجريح الشخصي، او المراجعة التامة لمجمل المواقف السابقة، مما يسهم في خلق الظروف الملائمة لإطلاق شعار «التسقيط»، من لدن الفئة غير الموافقة على تلك المواقف السطحية، بحيث تنتهي الى «الموت» الاجتماعي في نهاية المطاف.

التفكير السطحي ليس مقتصرا على فئات دون اخرى، فهذه المعضلة تشترك فيها بعض النخب الثقافية، وكذلك فئات اجتماعية متعددة، وبالتالي فان الاصابة بمرض السطحية لا يختص بفئة محددة، فكل شخص معرض للسقوط في فخ ”السطحية“، مما يستدعي التحرك الواعي لتفادي الوقوع في مصيدة هذا المرض، نظرا لآثاره التدميرية في التعاطي مع القضايا الاساسية والجوهرية، لاسيما وان النظرة القاصرة تقود الى نتائج كارثية، نتيجة اعتماد اساليب سقيمة، الامر الذي يستدعي الابتعاد عن السطحية في مختلف القضايا، من خلال الاعتماد على اصحاب القدرة على القراءة الواعية، البعيدة عن المواقف الارتجالية والسطحية.

الموقف السطحي يحدث حالة من الالتباس، لدى بعض الشرائح الاجتماعية، خصوصا وان بعض المواقف تصدر من فئات تحتل مواقع متقدمة، مما يجعل البعض يسير خلف تلك المواقف استنادا الى رؤية تلك القيادات الاجتماعية، وبالتالي فان التخبط يؤسس لحالة من الانقسام الداخلي، نتيجة الاختلاف الكبير في قراءة تلك المواقف، فالبعض ينادي بضرورة الوقوف خلفها، والبعض الاخر يصر على معارضتها، وعدم الالتفات لها، انطلاقا من ابتعادها عن العمق والمعالجة الظاهرية، بمعنى اخر، فان السطحية تشكل خطورة كبرى على التماسك الداخلي، وتؤسس لحالة من الخصام الكبير، مما يولد نوعا من التشويش جراء التباين الكبير في المواقف، تجاه المعالجات المطروحة للقضايا القائمة.

كاتب صحفي