آخر تحديث: 22 / 3 / 2019م - 6:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

على أعتاب رجب الأصبّ

أحمد سلمان *

إنّ من أهمّ مميّزات الإنسان عن بقيّة المخلوقات الأخرى كونه ثنائيّ البعد، فحقيقته الإنسانيّة فيها بعدان أساسيّات:

البعد الأوّل هو البعد الماديّ والذي يمثّله هذا الجسد

والبعد الثاني هو البعد الغيبي والذي يتمثّل في روحه

وهذه الثنائيّة في حقيقة الإنسان تترتّب عليها آثار عمليّة تنعكس مباشرة على سلوكنا اليوميّ، فكلّ بعد من البعدين له قائمة من الاحتياجات الضروريّة التي لابدّ أن تُلبّى لكونها ممّا يضمن استمرار الحياة واستقرارها:

فالبعد المادّي يحتاج إلى الأكل والشرب وغيرها من الأمور التي بها ينمو الإنسان ويعيش على إثرها، فلا يمكن أن يستغني عليها.

وكذلك البعد الغيبي له حاجياته الضروريّة التي لا غنى عنها وهي حالة الارتباط بمصدر الروح ومنشئها وهو الله عزّ وجلﱠ.

وحياتنا اليوميّة تقوم على الاهتمام بالبعد الأوّل وهي الحاجيات الماديّة البحتة إلّا أنّها تهمل البعد الثاني لعدم الالتفات إلى ضرورته رغم أنّ القرآن كان صريحا في اعتباره عاملا مهمّا في الاستقرار النفسي المعبّر عنه بالطمأنينة.

وهذه الغفلة التي نعيشها هي سبب لكثير من مشاكلنا حيث أنّ قطع الصلة مع الله وعدم الارتباط به بالمقدار الذي تحتاجه الروح يؤدّي إلى الخلل الرئيسي الذي تتفرّع منه مجموعة من الأمراض القلبيّة والروحيّة كالاحباط واليأس وكره الحياة والعصبيّة المفرطة بل تصبح كلّ الحياة لا معنى لها البتّة، ومن هنا جعل لنا الله عزّ وجلّ محطّات - طيلة السنة - للتذكير بأهميّة هذا الأمر والتزوّد بما نحتاج من الزاد الروحي الذي هو خير الزاد ﱡﭐ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱠ، ونحن على أعتاب محطّة مهمّة من هذه المحطّات وهو ”شهر رجب“.

هذا الشهر سمّي في الروايات الشريفة برجب ”الأصبّ“ والمراد من وصفه بالأصبّ هو الإشارة إلى صبّ الرحمة فيه صبّا، فإذا كانت في الأيّام العامّة رحمة الله قد وسعت كلّ شيء فكيف يكون حالها في رجب وهي تصبّ علينا صبّا؟!

ولا يمكن للإنسان أن يستفيد من هذه الرحمة إلّا إذا عرّض نفسه لها ولم يجعل بينه وبينها حائلا، فلو كانت المطر تنزل لساعات كثيرة فلن تصيب الإنسان قطرة ماء واحدة إذا كان داخل بيته لكن بمجرّد الخروج من البيت والوقوف تحت أديم السماء سيبتلّ كلّ جسمه، نفس الشيء بالنسبة لرجب فإنّ من أراد أن ينال نصيبه من هذه الرحمة الإلهيّة فعليه أن يعرّض نفسه لها بالقيام بالأعمال العباديّة في هذا الشهر الكريم، فهو شهر خير وبركة ورحمة لمن عمل فيه لا لمن لم يستجب للدعوة الإلهيّة في هذ الشهر.

لذلك حريّ على العاقل أن يشمّر ساعدي الجدّ في هذا الشهر ويسعى للقيام بالأعمال العباديّة المختلفة فيه من أدعية مختلفة فيه وصيام وإحياء لأيّامه العباديّة المباركة ومناسبات أهل البيت ، والأهمّ من هذا على دور العبادة الاهتمام بهذه الأيّام وتهيئة البرامج المناسبة لإحيائها.

أختم بنقطة مهمّة أريد أن نلتفت إليها وهي أنّنا قد أصبحنا نستقبل المواسم العباديّة بفتنة من الفتن، فما أن يطلّ علينا موسو من هذه المواسم التي يحبّها الله ويرضاها إلّا واستنفرنا للحديث عن موضوع خلافيّ يستنزف كلّ جهودنا ويذهب روحانيّة الموسم، وما عليك إلّا أن تقوم بعصف ذهنيّ من محرّم إلى شهر الحج لتجد أنّ كلّ المواسم نستقبلها بالفتن!

وللأسف دائما ما يطلّ علينا شهر رجب وتصحبه مشكلة ”صلاة الرغائب“، هي في الواقع ليست مشكلة لكنّنا جعلناها مشكلة وانقسمنا بين مؤيّد ومعارض، يكفي أن يعمل كلّ إنسان بما يفتي به مرجعه لكي تحلّ المشكلة، لكن كلّ الناس تصبح في هذا الشهر كما في غيره من الشهور مراجع والكلّ يصحّح ويضعّف ويفتي و... و...!

بعضهم جاءني غاضبا: لماذا تصلّون الرغائب في مسجدكم؟

قلت: المسجد هو مكان الصلاة الطبيعي

قال: أقصد لماذا أعلنتم إقامة صلاة الرغائب وهي غير ثابتة؟

قلت: هذا على رأيكم الكريم أمّا على رأي المراجع المقلّدين يؤتى بها رجاء

قال: هذه بدعة لم تعرف عند الشيعة من قبل!

قلت: سامحك الله أنت بهذا تتهّم مراجعك بتشريع البدع، أمّا الشيعة فقد عرفوا هذه الصلاة من القدم وما عليك إلّا أن تطّلع على كتاب نصيحة المشاور وتسلية المجاور لابن فرحون المالكي الذي توفّي في القرن الثامن، حيث نقل أنّ الشيعة الإماميّة كانوا يصلّون الرغائب في المسجد النبوي منذ ذلك الزمن.

نسأل الله عزّ وجلّ أن يوفّقنا لصيام هذا الشهر العظيم وقيامه وأن نكون مشمولين في يوم القيامة بذلك النداء العظيم، فقد روي عن مولانا الإمام الصادق : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش أين الرجبيون؟ فيقوم أناس يضيء وجوههم لأهل الجمع على رؤسهم تيجان الملك مكللة بالدر والياقوت مع كل واحد منهم الف ملك عن يمينه وألف ملك عن يساره يقولون هنيئا لك كرامة الله عز وجل يا عبد الله، فيأتي النداء من عند الله جلّ جلاله: عبادي وإمائي وعزّتي وجلالي لأكرمن مثواكم ولأجزلنّ عطاءكم ولأوتينّكم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين أنكم تطوعتم بالصوم لي في شهر عظمت حرمته، وأوجبت حقه ملائكتي أدخلوا عبادي وإمائي الجنة ثم قال جعفر بن محمد : هذا لمن صام من رجب شيئا ولو يوما واحدا في أوله أو وسطه أو آخره.