آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 11:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

2608 شرقاً

يناير 1980 م، كان الجوُّ في أمريكا مشبعاً بالكراهيةِ ضد كل الألوان بسبب الرهائن المحتجزين. مشيتُ في اليومِ الثاني وزميلي المهندس جعفر الشايب في مدينةِ تلسا من شقتيَ الصغيرة ذاتِ الحجرة الواحدة، شرقاً على الجادة العاشرة بالقربِ من المسجدِ والكنيسة، والتي كان إيجارها الشهري 230 دولار إلى معهد اللغةِ لحضورِ حفلِ تعارفٍ مع مرشدِ المعهد، شيخٌ لم تتعدَّ توجيهاتهُ لنا أن نستحمَّ كلَّ يومٍ وأن نكتبَ الرقمَ 7 بدون الزائدة العرضية التي يضعها الإنجليز.

سرنا من الشقةِ مشياً في ثلوجِ يناير، شابين يافعين، لحظاتٍ إذ مر بنا رجلٌ ابيض في شاحنةٍ وأصدر صوت منبه السيارة. التفتنا له وهو يخرجُ إصبعه من النافذة. قلتُ لجعفر انا غريبٌ جئتُ من الشرق فهلا ارشدتني؟ أعليَّ ردُّ التحيةِ بمثلها؟ لا علمَ لي بطريقة الرد. قال صاحبي أخفض رأسكَ وواصل مشيكَ، إنه جنونُ الابيض. لم يكن جعفر ليتركَ وفرةَ الدثارِ لو لم يدرك أنني خرجتُ باكراً لكنني أضعتُ الطريق، وصلت إلى سكن النساءِ وعدت.

مرت سبعٌ وثلاثونَ سنةً على هذه الحادثةِ وعنصرية الاصبع الأبيض وشاحنته بقيت كما هي. استيقظت الإنسانيةُ منذ ذلك الحين على اختراعاتٍ غربية مثل الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي التي تعرفكَ على الاخرِ بدونِ ثمن ولكن بقي الاصبعُ الوسيلة المفضلة والناجعة لدى من يريد أن يرسمَ للَّونِ الآخر ماذا عليه أن يفعل.

يجب أن تتنافس الشعوبُ وتتلاقح الحضارات فكرياً واقتصادياً بكل الوسائل ولكن ما إن يقعَ السيفُ تصبحُ الأمةُ أمماً. يهيمُ الغربي في أوديةِ الأحلامِ أنه يوماً ما يسيطرُ على كلِّ الشعوبِ ويجعلها ذاتَ لونٍ واحد وتحاولُ الشعوبُ الصعودَ إلى قممِ استقلالها والحقيقة هي أن من ينظر من أعلى الشمسِ لا يمكنه أن يعرفَ الفرقَ بين الجهات. لا يمكن اختصار الحضارات في الشرقِ أو الغرب فمن يقرأ التاريخ يرى أن تداولها من السنن، السومرية، الفرعونية، الهندية، الصينية، اليونانية الإغريقية، الرومانية، الفارسية، الإسلامية، والغربية إن شئت كلها أممٌ جاءت في البعدين، الزماني والمكاني ولكن ملعبَ الزمنِ هو الذي يقرر من يبقى وليس الاصبع.

مازلتُ قليلَ المعرفة بالجغرافيا بعد كلِّ تلك السنين لولا نظام التموضع العالمي الذي له جذوره في  تاريخ الحضارة الإسلامية والعربية عن طريق البوصلة، إرثٌ لم يصلني. كان والدي يرتاد البحرَ في الظلامِ الدامس، يعرفُ أين يذهب وكيف يعود، ينظرُ في السماءِ، يراقبُ النجومَ ويُبقِي بَصرهُ على الأرض. لا يحتاج إلى نظامٍ غير أصواتِ من ينتظرونه في المضوِّي، فانوسٌ، تمرٌ، نارُ الموقد، نارجيلة وبعضُ المغامرين...

تمردُ الجهاتِ والحضاراتِ في التاريخِ ليس إلا أوهامٌ سريعاً ما تزول. سلسلةٌ من التمرد تشبهُ تمردَ الآلهةِ عند قدماء اليونان ولكن الكل يلقى حتفه وينتحر في النهاية ولا يبقى سوى تمرد الفكرِ والفلسفةِ والعلوم ثماراً لنتاجٍ بشري أزلي يأكلُ منه كلُّ جائع. تمردٌ يحارب الفقرَ والمرضَ والجهلَ في كلِّ الجهاتِ لكلِّ الألوان.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
تعليق#١
[ القطيف ]: 19 / 10 / 2017م - 7:22 ص
مقال جميل..
2
نبيل المرزوق
[ المنيرة ]: 21 / 10 / 2017م - 3:23 م
الأصبع هو نفس الأصبع يستخدم في الشرق كما يستخدم في الغرب وله نفس المعنى لكن الأختلاف في الأتجاه
مستشار أعلى هندسة بترول